أحمد مصطفى المراغي
48
تفسير المراغي
للمبالغة في إظهار الآية العظيمة ، وأن هذا المولود يفهم الإشارة ، ويقدر على العبارة . ( قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) أي قالوا لها ، متهكمين بها ، ظانين أنها تزدرى بهم وتهزأ : كيف نكلم من هو صبي في المهد ، ولم يعهد في مثله وهو لم يدرج بعد من حجر أمه أن يكلم أحدا ؟ . روى أن عيسى لما سمع كلامهم أقبل عليهم وترك الرضاع وأشار بيمينه ، ثم بدأ يتكلم فوصف نفسه بجملة صفات : ( 1 ) ( قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ) أي إني عبد اللّه الذي له صفات الكمال لا أعبد غيره ، وفي هذا إيماء إلى أن من كان لا يتخذ إلها من دونه ، ولا يستعبده شيطان ولا هوى . ( 2 ) ( آتانِيَ الْكِتابَ ) أي سينزل علىّ الإنجيل . ( 3 ) ( وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ) أي وسيجعلنى نبيا ، وفي هذا براءة لأمه ، لأن اللّه لا يصطفى لنبوته أولاد سفاح . ( 4 ) ( وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ ) أي سيجعلنى نفاعا للناس هاديا لهم إلى سبيل الرشاد في أىّ مكان كنت ، وقد جعل هذه الصفات كأنها حدثت له فعلا وهي لم تحصل بعد ، من قبل أنها لما كانت واقعة حتما نزّلت منزلة ما قد حصل . ( 5 ) ( وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ) أي وأمرني بالصلاة ، إذ في إقامتها وإدامتها على الوجه الذي سنه الدين - تطهير النفوس من الأرجاس ومنع لها عن ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وأمرني بالزكاة بإعطاء جزء من المال للبائس والمحتاج ، لما في ذلك من تطهير المال - ما دمت حيا في الدنيا . ( 6 ) ( وَبَرًّا بِوالِدَتِي ) أي وجعلني برا بوالدتي ، مطيعا لها محسنا ، وفي هذا رمز إلى نفى الريبة عنها ، إذ لو لم تكن كذلك لما أمر الرسول المعصوم بتعظيمها .